نتوجه إليكم ببياننا هذا, وقد توقفت الحرب, وشرعنا باستعادة حياتنا الطبيعية رويدا, رويدا, وبدأنا نفكر فيما حصل من إسقاطات وتبعات على كل مستويات حياتنا, وقد رأينا في جمعية التطوير الاجتماعي أن نشارككم أفكارنا وتصوراتنا لما حصل أثناء الحرب وللمستقبل أيضا. وباعتقادنا أنه من واجب مجتمعنا العربي في حيفا أن يتأمل كلّ الذي حدث وخاصة ما تكشف لنا من حقائق واشكالات في علاقاتنا بالسلطات البلدية والحكومية, وفي المبنى الداخلي لمجتمعنا, وكلها تستدعي منا التفكير المعمق واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وقد ارتأينا أن نوردها موجزة على أمل أن تكون مقدمة للعمل والتفكير الجمعيين في المرحلة المقبلة.
ونود بداية أن نهنئ أهلنا ومجتمعنا بانتهاء الحرب, وان نشيد بما أبدوه من تكافل وتضامن مجتمعي استطاع أن يتجاوز الامتحان الصعب بكرامة وعزة رغم إمكانياته المحدودة وشروط حياته التي تحددها سياسات الإقصاء والتهميش والتمييز.
من ناحيتنا, رأينا أن نواصل عملنا في الجمعية وفق نظام حالات الطوارئ, وهو النظام الذي اعتمدناه طيلة فترة الحرب, وهذا يعني أن اهتماما خاصا سنوليه لآثار الحرب وانعكاساتها على مجتمعنا من خلال سلسلة من الأنشطة التي اعتمدناها.
وقد بدأنا فور انتهاء العمليات العسكرية بتطوير مشروع متكامل للتعامل مع آثار الحرب في مختلف المستويات, ويستطيع أهلنا منذ الان الاستفادة من سلة الخدمات التي نوفرها لهم وتتضمن:
إن برامج ومشاريع الجمعية الدائمة والقائمة قبل الحرب, سوف تستمر وتتواصل كما هو مقرر, خدمة لمجموعات الهدف المختلفة في مجتمعنا. وسوف نقوم بإعلامكم بكل جديد في حينه.
أما القضايا والمسائل التي برزت أثناء الحرب فمتعددة المستويات, منها ما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات في حالات الطوارئ ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو سياسي. وقد رأينا ان نتطرق إلى أهمها سعيا منا إلى الشفافية التامة والمكاشفة واقتناعا منا بضرورة مناقشتها على اوسع نطاق.
لقد كشفت الحرب من جديد ما كنا نعرفه جميعا من بؤس الخدمات البلدية والبنية التحتية في الأحياء العربية. واتضح بشكل خاص عدم وجود ملاجئ عامة قادرة على إيواء الجميع وقت الضرورة. أما القليل منها القائم فهو غير صالح بالمطلق ولا يتوفر فيه الحد الأدنى من شروط العيش. علمنا ان معظم البيوت في احيائنا قديمة وغير مؤهلة للسكن وينبغي ترميمها وتقوية أسسها وجدرانها بحيث تتوفر فيها شروط الحد الأدنى من الحماية لساكنيها.
كما اتضح من الاضرار التي لحقت بهذة الاحياء أن منظومة خدمات حالات الطوارئ البلدية وتلك التي توفرها قيادة الجبهة الداخلية لم تكن متوافرة للمجتمع العربي في حيفا. وقد برز ذلك بشكل خاص في التعامل. كما اتضح أن مركز الطوارئ البلدي لم يوفر الاستشارة والمعلومات باللغة العربية علما بأنه يسكن المدينة أكثر من ثلاثين ألف مواطن عربي شعروا بأنهم لا يدخلون ضمن اهتمامات المركز وخدماته وأنهم لا يحصلون على الحد الأدنى من الاستشارة ومعالجة الامور المستجدة.
وبالرغم من كل ما جرى اتضح أن مجتمعنا يتمتع بقدر كبير من مشاعر التضامن والتكافل الاجتماعي والتعاضد في وقت الأزمات وانه قادر على لملمة جروحه والمضي قدما كمجتمع أصلاني عريق من خلال تأكيد وجوده وحضوره وحقوقه كجزء حي وفاعل من الجماهير العربية الفلسطينية التي تعيش في أرضها, وطن الآباء والأجداد. وهنا نود ان نشيد بالاريجية التي ابداها اهلنا في المثلث الصامد وفي المناطق المحتلة باستضافة العديد من العائلات الحيفاوية.
تسمع مؤخرا بعض الأصوات النشاز التي يحاول بثها ضعاف النفوس, الذين ينطلقون من مصالحهم الضيقة, فمنهم من هول ومنهم من ركب موجة الحرب وشرق وغرب في خدمة سياسات القوة. وتمادى البعض بإثارة الحديث الطائفي من جديد وتقسيم الناس ليس على أساس تأييد الحرب أو مناهضتها بل على أساس دواعي طائفية وهو ألاسلوب الذي نرفضه ويرفضه مجتمعنا المصر على الوحدة في الموقف أيام الأزمات كما في أيام السلم.
وان أي محاولة لشق وحدة مجتمعنا سوف تبوء بالفشل حتما, وإننا على ثقة أن مثل هذه المحاولات القديمة, الجديدة, خصوصا في هذه الظروف ما هي إلا "لعبة" غبية سوف ترتد الى نحور أصحابها, وسوف نبقى موحدين كأبناء الشعب الواحد, نعتز بكرامتنا الوطنية وانتمائنا لشعبنا الفلسطيني وامتنا العربية ولمدينتنا حيفا, عروس الكرمل.
حاول البعض أن يستغل مغادرة عدد من العائلات العربية الحيفاوية طلباَ للسلامة واعطائها ابعاداَ خاطئة. بينما حاول البعض استبقاءهم فيها كما فعل رئيس البلدية وآخرون الذين ربما أرادونا درعا بشريا يحول دون قصف المدينة بدلالة أن أيا من الذين أرادوا استبقاءنا في المدينة لم يكن مستعدا ليدلنا كيف سيوفر لنا الملاجئ وشروط الحماية علما بأنهم لم يوفروا لهم حتى إرشادات باللغة العربية في أوقات الشدة. ومع هذا أبدى أهلنا نضجا غير مسبوق وتعاملوا بروية ويقظة مع كل ما بدا مشبوها وتصرفوا بحكمة كأفراد ومجتمع.
برز دور مجتمعنا العربي في حيفا المناهض للحرب والداعي للسلام العادل والتفاوض. فقد انطلق أهلنا في حيفا كما في المواقع الأخرى يتظاهرون منددين بالحرب منذ يومها الأول. وقد عكس هذا وعيا ونضجا نعتز به ونفخر.
من جهة أخرى تعرض مجتمعنا في حيفا, كما في سائر مواقعه إلى حملة تحريض ودس رسمي وشعبي لمجرد انه عبر عن مواقفه المناوئة للحرب. وقد جندت بعض وسائل الإعلام العبرية والقيادات السياسية الرسمية المتمثلة برئيس بلدية حيفا, للهجوم والتحريض السافر ببث حي ومباشر ضد أحد نواب البلدية العرب المنتخبين، وكل ما فعلته وسائل الاعلام انها ركزت بثها وبالنحديد على مواقع الاصابة في الاحياء العربية في مسرحية مكشوفة كالرقص على الضحية.
تبينت هشاشة ذاك الحديث القديم/ الجديد عن أل: "الدوكيوم" والتعايش بين اليهود والعرب في المدينة في ظل حملة التحريض. بل بدا أن البعض تجاوز هذا الحديث إلى خطاب جديد عن "رباط الدم" بدعوى أن قذائف الكاتيوشا لم تفرق بين يهودي وعربي وان عربا ويهودا في المدينة كانوا ضحيتها. هذا بينما الأجدر بهؤلاء أن يتحدثوا عن حلف حياة يقوم على المساواة والتكافؤ وعلى حرية المعتقد والرأي. وهو ما لم يصمد أيام الحرب بسبب من إصرار الأكثرية اليهودية في الحقوق الداعمه للحرب علينا ورفضها الاستماع إلى الرأي الاخر.
إن الشعارات التي يروجون لها باعتبار حيفا رمزا للتعايش ومساراته والطريقة التي يمارسون بها هذا التعايش المزعوم, ما هي إلا مجرد شعارات واهية, أو هى من خيط العنكبوت, إن مسار التعايش لا يمكن أن يكون باتجاه واحد فقط, ولا يمكن ان يكون تعايش الفرس والفارس, نحن نريد التعايش الحقيقي ليضمن لنا العيش الكريم والمساواة الحقيقية والحقوق الوجودية لمجتمع عربي فلسطيني أصلاني في حيفا.
العرب في حيفا جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني الذين بقوا في بلدهم (حيفا) رغم نكبة 1948 وانعكاستها الاجتماعية والسياسية ولن يغير هذه الحقيقة اي شيء لانها حقيقة ثابتة تاريخيا وانسانيا وحضاريا.
الى جانب الهوية الوطنية والقومية يحمل ابناء الشعب العربي الفلسطيني الهوية المدنية الاسرائيلية باعتبارهم مواطنو هذه الدولة ، وتشكل المواطنه الاساس لكل الحقوق المدنية الفردية والجماعية، واهم الحقوق الديمقراطية هي المساواه وحق التعبير عن الرأي حتى لو تعارض مع الاغلبية اليهودية والمؤسسة الحاكمة.
برزت الحاجة في انتظام أهلنا في حيفا ضمن هيئة تنسيق عليا تقوم على أسس المجتمع المدني وتعنى بمجتمعنا العربي في حيفا وترعاه في الأزمات ،وتعمل من اجل بلورة احتياجاته ومطالبة وتحصيل حقوقه وخصوصا حقنا في إشراكنا في التخطيط لمستقبلنا ، ونأمل أن تكون هذه الهيئة التمثيلية سياجا واقيا لوحدتنا المجتمعية امام محاولات التفريق وجسما داعما لمستقبل افضل لوجودنا في مدينتا. وقد شرعنا بالاتصالات اللازمة وبالتشاور مع الفعاليات الحيفاوية الأخرى لتدارس الفكرة.
ونتوجه بهذا لكل الأطر السياسية والجمعيات الأهلية والمؤسسات الشعبية وكافة لجان الأحياء للتجاوب مع هذا المطلب الهام, وتقديم الاقتراحات والمشاركة في تنفيذه.
إننا إذ نتمنى للجرحى من أهلنا ألشفاء العاجل ، نترحم على ضحايانا ونتقدم بالتعازي لذويهم،ونهيب بجميع المخلصين كي نستخلص العبر والدروس من أحداث هذه الحرب وان نعيد إنتاج نسيجنا المجتمعي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. ندرك أن قطاعات منا لا تزال تعيش ضغوطات الحرب وأثارها كأضرار في البيوت أو في المرافق الاقتصادية او كضيق نفسي واجتماعي. ورغم امكانيتنا المتواضعة اننا نؤكد وقوفنا قولا وفعلا الى جانب أهلنا المتضررين كجزء من التزامنا نحو مجتمعنا وقضاياه في السراء والضراء. سنوفر سلة من الخدمات آملين أن نسهم مع غيرنا في تضميد الجراح والتخفيف من المعاناه وكلنا ثقة بأبناء وبنات شعبنا وبقدراتهم على تجاوز هذه المرحلة بنجاح..
لقد كنا في وقت الحرب ونحن ألان بعدها سنبقى عنوانا لأهلنا نصغي إليهم والى احتياجاتهم لنوفرها أو للعمل سوية لنيلها.
وفي الوقت ذاته نتمنى على البلدية وإدارتها أن تعزف كليا عن الانشغال بمواقفنا من الحرب وعن توتير الأجواء وان تبدأ بتحمل مسؤولياتها نحونا كمواطنين والشروع بإزالة أثار الحرب والتدمير في المدينة وفي النفوس, أيضا.